“بوصلة العودة” مقال بقلم /عبد الرحمن خالد الجبور

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 17 سبتمبر 2017 - 9:36 صباحًا
“بوصلة العودة” مقال بقلم /عبد الرحمن خالد الجبور

“بوصلة العودة”

بقلم: عبد الرحمن خالد الجبور

أنا ناجي العلي، إنولدت وين إنولد المسيح عليه السلام، بين طبرية والناصرة بقرية الشجرة بالجليل الشمالي، طلعونا من هناك بعد عشر سنين بالـ 48، وهجرونا لمخيم عين الحلوة بلبنان، كنت صغير لما وصلنا على عين الحلوة، وصلنا تعبانين وحافيين، سمعت بليالي المخيم شهقات البكاء المكتوم، شفت الحزن بعيون أهلي، وكان عندي رغبة كبيرة إني أرسم هذا الحزن على حيطان المخيم كلها. ” إحساسي والوعي تشكلوا بالمدرسة الابتدائية بعين الحلوة، علمني أستاذي كيف أرفع علم فلسطين وأحييه، عرفني مين أصدقاءنا وأعداءنا، كان دايمًا يقول لي: “ارسم يا ناجي … بس ارسم عن الوطن. “ضليت أرسم علي حيطان المخيم شو كنت أرسم عن الوطن، شو كنت أشوف أشياء محبوسة بعيون الناس. كان ناجي يستغل كل جدار من مخيم عين الحلوة ليعبر عن حزن اللاجئين، خسر اللاجئون الفلسطينيون كل حقوقهم المدنية والاجتماعية منذ دخولهم مخيم عين الحلوة، وكان “ناجي” متمردًا، القهر المكتوب في الكتب والمسموع بالآذان يختلف تمامًا عن القهر الذي عاشه ناجي وعاشه الفلسطينيون.  مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في لبنان يعاني منذ سنوات من أزمات كثيرة ومستعصية، وترد أنباء متعددة أن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان يعيشون حياة قاسية تشمل الفقر، والمسكن غير الملائم، والأمراض المتفشية، ونسب البطالة الكبيرة، وينسب البعض أسباب تلك الأوضاع إلى فرض الحكومة اللبنانية قيود كثيرة للغاية على اللاجئين، على سبيل المثال يقال إن اللاجئين محرومون من ممارسة أكثر من 70 مهنة، وهناك قيود على إدخال مواد البناء إلى المخيمات وغير ذلك من الإجراءات وصولاً لمحاولة بناء جدار حول مخيم عين الحلوة.

يعاني مخيم عين الحلوة من اشتباكات وقتال مستمر وعدم التوافق بين الفصائل الفلسطينية من جهة وعناصر إرهابية من جهة أخرى. اللجان المتعددة التي شكلت لم تستطع أن تعالج الأزمات والمشاكل التي يعاني منها المخيم.  الانقسام السياسي الفلسطيني وعدم وجود مرجعية وطنية قوية مشكلة مهمة أيضاً يعاني منها المخيم، فمنظمة التحرير الفلسطينية التي تعتبر الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في الداخل والشتات والفصائل الفلسطينية الأخرى لم تول المخيم واللاجئين فيه أي اهتمام جدي يساعد على إنقاذ المخيم من الخطر الذي يواجه سكانه. المنظمات الإرهابية استغلت الفوضى وعدم التوافق وانتشرت في المخيم، وأصبحت تمتلك الآن أسلحة بشكل كبير، الاشتباكات والقنص والأحداث الأليمة تتكرر باستمرار بين القوى الأمنية الفلسطينية والعناصر الإرهابية، والتي أدت مؤخراً إلى مقتل أكثر من 3 أشخاص وإصابة أكثر من 16 شخص وهجرت عائلات وأحياء بأكملها، كما أن الأونروا أوقفت خدماتها في المخيم بسبب الأوضاع الأمنية، وأيضا تأثرت أسواق المخيم، والحركة التجارية فيه التي توقفت بالكامل، فيما يعاني سكان المخيم من انقطاع في الكهرباء والماء في أحياء عديدة منه. المنظمات الإرهابية تتغلغل في المخيم ، وكل ما قامت به القوى والفصائل الفلسطينية واللجان الأمنية التي شكلت لم يوفر المعالجة الحقيقية التي تضمن استئصال بؤر الإرهاب.  هذا يعود إلى الأجندات الضيقة للفصائل في المخيم، وعدم التوافق والاتفاق الوطني، وبالتالي القدرة على حماية اللاجئين، التي قد تستغل معاناتهم في توظيفها واستثمارها ضد حقوقهم الطبيعية والأساسية وصولاً لوجودهم ذاته.

إن القتال في مخيم عين الحلوة يضيف زيادة من التشاؤم لأي حل للقضية الفلسطينية وحق العودة للاجئين، وهذا ما اعتمده الاحتلال منذ القدم، حيث عمل على إيجاد تناقضات بين العرب والفلسطينيين أنفسهم لنسف القضية الفلسطينية وحق اللاجئين من العودة الى ديارهم، ها نحن أبناء الشعب العربي والفلسطيني، نقدم للاحتلال هدية مجانية في سيول الدم التي تجري في المخيمات الفلسطينية في حرب المخيمات عام 1976 مروراً بتدمير مخيمي نهر البارد واليرموك وتشريد سكانهما، واستمراراً لذلك ما يجري في مخيم عين الحلوة بين فترة وأخرى.

يعيش في مخيم عين الحلوة أكثر من 54 ألف لاجئ فلسطيني مسجل لدى الأمم المتحدة من أصل 450 ألفا في لبنان – هناك إحصائيات تقول بأن العدد أكبر من ذلك المسجل لدى الأمم المتحدة- وانضم إليهم خلال الأعوام الماضية آلاف الفلسطينيين الفارين من أعمال القتال في سوريا.  وغالبا ما يشهد المخيم عمليات اغتيال وتصفية حسابات بين مجموعات متنافسة على السلطة، أو بسبب الموقف السياسي وغير ذلك، وشهد المخيم في أبريل/نيسان وأغسطس/آب الماضيين اشتباكات أدت إلى مقتل وجرح عدد من الأشخاص، التي لا يمكن عزلها عن المخططات الصهيونية الرامية لتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات الفلسطينية في الشتات، من خلال جرِّها إلى أتون الصراعات في المنطقة، التي تصل إلى تدمير المخيمات، كونها أحد أبرز الشواهد الفعلية على جريمة التطهير العرقي التي مارسها الصهاينة بحق الشعب الفلسطيني، وحقه في أرض وطنه.

قضية اللاجئين هي كلٌّ لا يتجزأ، وأن تكريس التفرقة والانقسام والاقتتال بين الشعب الفلسطيني يصب في خدمة مشروع تصفية وإنهاء القضية الفلسطينية، وأن حق عودة أهلنا إلى بيوتهم وقراهم يشكل جوهر تلك القضية، حيث بات من الضروري تشكيل برنامج نضالي وطني موحد لكل اللاجئين، هدفه تحقيق حق العودة، وتمتين العلاقات بين المخيمات في بلدان اللجوء مع محيطها، على قاعدة تمتين الحاضنة الشعبية العربية التي تحميها.  الشعب الفلسطيني الذي ضحى وناضل وما زال يناضل منذ ما يقرب من سبعين عاماً، لا يمكن أن يتنازل عن حقه في العودة إلى دياره.

أنقذوا عاصمة الشتات الفلسطيني في لبنان ” مخيم عين الحلوة ” أنقذوا المخيم وأبناء شعبنا قبل فوات الأوان.

أعيدوا لناجي العلي.. صورة الوطن على جدار المخيم، بوصلة للعودة التي ستبقى مشبوهة طالما لا تشير إلى فلسطين.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 2 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة موقع عائلة الجبور في فلسطين والمهجر الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.